تجليات القدر

438
Advertisements

بعدَ ساعتين من نميمة أم فتحي المُطلقة وَشِجارٍ مع جارتها أم عيسى لأن أم فتحي قالت لها:”يا أم البنات” جعلتني أُقطع معها البصل فَإغرورقت عيناي بالدموع، ثُّم جلستُ وإياها عندَ عتبتِ باب منزلها  إذ بطفلٍ صغيرٍ ممزق البنطال لا أظنهُ قد تجاوز العاشرةَ من عمرهِ بعد يُطِلُ من بعيد ويحملُ بيدهِ اليمنى “كروز دخان وباكيت علكة” وباليدِ الأُخرى “عددًا من عُلَبِ المناديل ” .. 

فنادى عليها بصوتٍ مرتفع : يا أم فتحي، ايقظي ابنكِ عُدنا للعملِ مجدداً فقد فُك الحظر وعادت الحياة للشوارع ، إذ بها تَقرُصُهُ من خَدِّهِ وتقول له : “سَلِّملي على أمك واحكيلها بيع الفاين والعلكة ما عاد يجيب همه لازم تدوروا على مصلحة ثانية وصيدة جديدة” .. 

ثُّم دخلت لتوقظ ابنها.. 

 استيقظ فتحي غسل وجهه وغادر مع رفيقه دونَ أن يَفطُر حتى .. 

دخلنا للمنزل لنتناول الطعام فقلتُ لها : ” مش لو خليتي هل ولد ياكل معنا لقمتين بعدين يطلع كان احسنله؟! ” 

فردت عليّ ضاحكة : ” تخافيش عليه هسا بس يوصل للإشارة اللي رايح عليها ألف واحد بعطيه بواقي سندويشته واحيانا بكرموه بعصير ، وإذا ما حدا أعطاه بياخذ ربع دينار وبشتري سندويشة، كُلي…كُلي تخافيش عليه، لحقي قبل ما أخلص الأكلات” ثّم أكملت ضحكها … 

فعدتُ وسألتها : ” طيب بتخافيش يكون واحد من يلي بعطوه هل اكل مريض؟! ” 

– ” يا شيخة قلتلك تخافيش عليه مثل القرد…وكل شي بايد الله، لو مكتوبله المرض او الموت ليمرض وهو قاعدلي بهل دار، خليه يطلع ونسترزق منه شوي بدل ما هو بس شغل أكل ونوم، حتى بالمدرسة مش فالح ” 

بعدَ أن اكملنا طعامنا وأم فتحي تتحدث عن زوجها وسهراته الطويلة خارج المنزل وأنه لا يلتفت لها ولا لأولاده ( فتحي و رانيا )  .. 

سألتها عن رانيا وهي ابنتها الصغيرة وتبلغ من العمر ثمانِ سنوات .. 

– ” رانيا نايمة والله مش قادرة توقف من مبارح ؟! ” 

– ” ليش ؟! ما عليها شر ” 

Advertisements
Advertisements

– ” والله يا أم محمد مبارح طلعت تسترزق على الجبل بعد العصر ولا البنت اتأخرت، صارت الساعة تسعة وما رجعتش ، اجيت بدي اطلع اشوفها ولا هي راجعة بس كان وجهها مخطوف “. 

– ” ليش شو صاير معها طمنيني ” 

– ” والله يا أم محمد والحكي بسرك ولولا اني بعرفك بتطلعيش سر ما بحكيلك بس لازم افضفض، البنت مبارح في شبين اتحرشوا فيها، وهاي مش اول مرة، صح إنه البنت صغيرة بس الناس عيونها فارغة مش تاركين حد من شرهم لا صغير ولا كبير ، دايما بتحرشوا فيها واحيانا بضربوها … اللي بحكيلها تعالي معي اجيبلك اشياء زاكية، واللي بحكيلها تعالي اوصلك، وكلهم بتسلوا معها شوي وبعطوها قرشين وبترجع ،،وهاض غير انهم بياخدوا منها علب البسكوت ويعطوها حقهم ،، والله انه هل بنت بتجيب مصاري أكثر من أبوها واخوها ،، حتى أخوها قبل الحظر بيوم اجاني مفتوحة راسه وركضنا نداويه” 

– ” وانتِ يا بنت الحلال بتخافيش يعتدوا عليها؟! ” 

– ” لا البنت صغيرة وما حد بعتدي بكون هدفهم الكلام الحلو والتحرش بس ، واصلا كلهم بخافوا من الاغتصاب لأنه توابعه كثيرة، والبنت صح صغيرة بس قد حالها،، خلص انسي انا وجعت راسك بهل حكي الفاضي،، يالله نشيل هل اكلات مشان احكيلك حماتي لما رحنالها آخر زيارة شو عملت فية ،، والله ما بعرف انا شو مسوية للناس ولا لربي حتى يرزقني بأهل زوج هيك؟!”  

 

هُنا إنتهت قصة أُم فتحي،، هي قصة من وحي خيال الكاتب لكنها تحاكي الواقع،، وهناك قصص أفظع منها وأشد قسوة..

لا تظنوا أن أطفالكم عندما ترموهم للشوارع سيعودون إليكم صالحين أتقياء أو بتربية سليمة ،، لا بل ستنهشهم كلاب السكك وسيتجرعون ألوان الألم حتى يعتادوه ويصبح أمراً طبيعياً،، تلك الفتاة الصغيرة سَيُتحرش بها ألف مرة حتى وإن لم تخبركم ، وذلك الطفل سيفوت بمئة شجار وسيتعلم لغة أبناء السوء .. 

عندما يضيع أولادكِ لا تلعني ضعفكِ ولا تلومِ الأب وحده ،، وأنت كَأب لا تَلُمْ الأم وحدها ،، بل اللوم على كليكُما ، فأنتما الإثنين لم تُربيا جيداً ولم تكونا السند الرحيم لهم.. 

الشارع ليسَ مكاناً آمنا،، جميعنا علينا أن نعلم أبنائنا كيفية الإعتماد على الذات ولكن ليس بهذه الطريقة..

قدموا لأبنائكم الرعاية اليوم ليردوها لكم ولمجتمعهم ولأبنائهم غداً …

0 0 vote
Article Rating
1
20

Advertisements
Advertisements

Subscribe
Notify of
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments

CATEGORIES